الان الأخيار والأشرار
الان الأخيار والأشرار

عندما سأل السائل: لماذا انتشر الأشرار فى البلاد؟ جاء الرد أن ذلك كان كذلك لأن الأخيار صمتوا ولم يفعلوا شيئا، أو شيئا من هذا القبيل. فى الاقتصاد يقال إن العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة، أو أن العملة الجيدة لم تكن بالجودة التى يظن بها. ونُقل عن «دانتى» فى أطروحته عن الجحيم أن أسوأ المراتب فيه وأكثرها هولا جرى حفظها لهؤلاء الذين صمتوا عندما كان يجب الكلام. تزاحم كل ذلك فى الذهن فى أحد أيام الأسبوع الماضى عندما بدأت جولتى الصباحية المبكرة فى برامج «التوك شو» المصرية التى أذيعت فى الليل، وهى عادة وجدتها مفيدة للمقارنة ولمعرفة المشترك فى الاهتمامات العامة، ولأنها تجعل قراءة الصحف بعد ذلك أكثر تركيزا على مقالات الرأى. كانت المفاجأة أن الإجماع هذه المرة كان حول «كليب» بعنوان «عندى ظروف»، وجرى التعامل مع الموضوع بطريقة واحدة قل أن تتكرر، وهى الاستنكار الشديد بكلمات تبدأ بالوقاحة وتنتهى بالعهر وما بينهما من بذاءة وقذارة، وبعد تسجيل الموقف الفضيل بدأت الأسئلة المطروحة حول ما حجم العقاب الواجب والسياسات الواجب اتباعها لحماية المجتمع والنشء من الغواية والفساد. المدهش بعد ذلك أن الزيارة التالية لصفحات «اليوتيوب» وجدت أن الخط العام لتناول «الكليب» سار على نفس النهج، مع قدر غير قليل من المزايدة اللفظية مع تسريب «ثوان» من الخطيئة تكفى لرفع عدد الزائرين إلى مئات الألوف.

وإذا كانت الأمة لا تجتمع على هذا النحو على ضلالة فلابد أن ضلالة قد حدثت، وما حدث على أى الأحوال أصـبح فى يد النيابة العامة حتى تنال الْمُغْنِيَــةُ ومن ساعدها الجزاء العادل. ولكن المعضلة أولا أن الجريمة تتكرر بصورة دورية، وثانيا أن رد الفعل يكاد يكون حادثا كما هو فى كل مرة، وثالثا أن القضية الأصلية، على غرار الخطيئة الأصلية، وهى «الجنس»، لا يبدو أن أحدا يريد مناقشتها، ولا أحد يعرف لماذا لم يكن لا القانون ولا الجزاء رادعا، ولماذا هذا الولع الشديد من مئات الألوف من النظارة بمشاهدة ما يجب غض البصر عنه؟ خرج الذنب من مكمنه متوحشا وهائجا، ولم تكن الرؤوس جاهزة لكى تعقل الأشياء، ولا حتى التفكر فيها رغم أن الفكر الإنسانى، والدينى أيضا ترك فصولا وأبوابا فى الموضوع، من أجل تفسير العلاقة الحميمة بين الرجل والمرأة. وربما كانت الدكتورة نوال السعداوى هى أول، وربما كانت هى آخر بينـمـــا أعلم، من فتح الموضوع على مصراعيه (اثنان فقط من المصريين كنت أجد كتبهما فى المكتبات العامة خلال تواجدى فى الخارج هما السيد الدكتور حسن فتحى والدكتورة نوال السعداوى وأضيف لهما نجيب محفوظ بعد أن قد اِنْتَصَرَ بجائزة نوبل، ولكن هذه قصة أخرى) بأمراضه وعقده النفسية ومشكلاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية.

لماذا عزف المجتمع عن تناول الموضوع رغم كل ما نعرفه عن نتائجه السلبية وانعكاساته على الأسرة والأخلاق العامة، والطاقة الشبابية للمجتمع. وربما كان ما تقوله لنا الواقعة، وعودة إلى مقدمة المقال، أن موسيقى وغناء الخطيئة لم يجد لا غناء ولا موسيقى الخير. الموضوع نفسه ليس غائبا عن الكلمة الغنائية، والإشارات والرموز والإيحاءات كثيرا ما تفصح بأكثر مما تخفى، وهو محور الكثير من الأعمال الأدبية، وقصص الخروج من الجنة والتفاحة الشهيرة وتمنيات الحور العين فيها الكثير من البوح بالذنب الأول، مع الإغراء بالشهادة لدى التكفيرييــن. ولكن «السوقية» و«الفجاجة» والوقاحة تَكْسَبُ الأمر، كما هو الحال مع أمور الدنيا الأخرى، مما هو نبيل ومتسام وفيه رفعة ورقة للروح الإنسانية. الفارق هنا يبدو رفيعا للغاية بين الأخيار والأشرار، ولكنه فى الواقع بعيد بعد الأرض عن السماء السابعة لأن ما يفجر الإلهام والإبداع والرحمة والحب ليس هو الذى يفجر الغرائز ونزعات الفجور ليس فقط بين الرجل والمرأة ولكن بين البني ادم والآخر. وبلغة اليوم فإن ما جعل «الكليب» المذكور ينتشر انتشاره هو أن «كليبات» الخير لم تظهر، أو لم تظهر بما فيه الكفاية، أو أن مذيعينا ومقدمينا لم يعطوها ما يكفى من الاهتمام لاعتقادهم أن الحياة توقفت منذ كانت أم كلثوم وعبدالوهاب وعبدالحليم وجيلهم يسيطرون ومازالوا علينا!.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم