الان على هامش المذبحة
الان على هامش المذبحة

لقد ضربنا الذهول والغضب إثر المذبحة الكارثية، التى جرت وقائعها، أمس الأول الجمعة، فى بئر العبد، بشمــــــال سينـــــــــــاء.

ومع ذلك فثمة ما يمكن استخلاصه من دروس وعبر، ربما تساعدنا فى تحقيق النجاح فى تلك المواجهة.

وقعت تلك الواقعة فى وقت نجيش فيه كل طاقاتنا الفكرية والإعلامية والثقافية والتعليمية والدينية للحرب ضد الجماعات التكفيرية.

لا يمر يوم من دون أن تعلن القيادة السياسية أن الجماعات التكفيرية أكبر خطر يواجهنا ويواجه العالم، وأن "مصر" تحاربه دفاعاً عن نفسها ونيابة عن الآخرين.

الإعلام المصرى يكرس جزءاً كبيراً من المحتوى الذى يقدمه لخدمة أهداف الحرب على الجماعات التكفيرية، والمؤسسات الدينية تضع خططاً متكاملة من أجــل مواجــهة هذا الخطر، وتصدر قوائم تحدد أسماء المشايخ المخولين بالحديث فى الشأن الدينى، وتوحد خطب الجمعة، وتطور أداءها لتضمن خطاباً تنويرياً معتدلاً مناهضاً للتطرف.

كما نرجئ الجــديـد عن فتح ملف الحريات وحقوق البني ادم لعدم التأثير فى قدرات الدولة خلال المعركة.

فهل تضمن لنا تلك التطورات تحجيماً لخطر الجماعات التكفيرية؟ وهل يمكن من خلال تعزيز أدائنا الفكرى والثقافى والإعلامى تحقيق النصر فى تلك المواجهة الشرسة؟

الإجابة: لا.

يسأل قطاع كبير من المصريين: كيف لهؤلاء أن يقتلوا مسلمين يصلون فى مسجد استناداً إلى تأويل دينى؟ أى دين يمكن أن يسمح بذلك؟ أى شيخ يمكن أن يفتى بذلك؟ كيف يدعى هؤلاء أنهم مسلمون؟

النخب أيضاً تتساءل، وتستنكر، ثم تذهب إلى أن هؤلاء منحرفون، لا يفهمون الدين على حقيقته، وأن أدمغتهم مغسولة، وعقيدتهم فاسدة.

الواقع أن هذا الذهول حصل، وسيحصل مجدداً، لأن ثمة من يصر على الربط بين التأويلات الدينية والعمليات الإرهابية، وهو أمر يقود لاحقاً إلى الجــديـد عن المواجهات الفكرية، وإصلاح الخطاب الدينى، ودور الإعلام فى مواجهة التطرف، وتنقية كتب التراث، وتوحيد خطب الجمعة.

ينطلق البعض من افتراض أن إعلاماً صَلْبــاًً فى مناهضته للإرهاب، وفكرا دينيا مستنيرا، وخطابا دينيا معتدلا، وحواراً فكرياً مسؤولاً يمكن أن يجرد التكفيرييــن من ذرائعهم، ويقضى على التطرف.

للأسف الشديد، فإن هذا الافتراض فى حاجة ماسة إلى مراجعة.

لو كان هذا صحيحاً، لما وقع الجماعات التكفيرية فى الدول المتقدمة، وفى كل العصور، وعلى أيدى أتباع كل الأديان وغير المتدينين أيضاً.

هؤلاء الإرهابيون يقتلوننا لأن هناك من يحرضهم على ذلك، ويمولهم، ويساعدهم لوجستياً، ولأنهم يمتلكون ذرائع شخصية للقتال، أما الارتكاز الدينى لسلوكهم الإجرامى فليس سوى مراوغة وتحايل.

واستناداً إلى ذلك، فإن الحرب ضدهم يجب أن تبدأ بضبطهم وتجريدهم من أدوات القتال، وهو عمل أمنى وعسكرى، وحرمانهم من المساعدة والتمويل والدعم، وهو عمل سياسى واستخباراتى، فضلاً عن البحث عن حلول للمشكلات التى جعلتهم يجدون فى الانضمام إلى تلك الجماعات الإجرامية حلاً ناجعاً.

العمليات الإرهابية تقع بسبب توافر الذرائع الشخصية وأدوات تنفيذ الجرائم لدى المجرمين، ويأتى التأويل الدينى لاحقاً لتسويغها، والأفضل أن نوجه طاقاتنا لمحاربة تلك الذرائع ومنع وصول تلك الأدوات، أما الإعلام والفكر فلهما دور ثانوى وتال فى الأهمية.

تركيز طاقتنا على المواجهة الإعلامية والدينية والفكرية للإرهاب ليس أبهــى ما يمكن أن نفعله فى هذا الصدد، لأن معركتنا ليست ضد أفكار ودعايات، ولكنها ضد رصاص التكفيرييــن وعتادهم.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم