الان التاريخ الذى أحملُه على ظهرى (2)
الان التاريخ الذى أحملُه على ظهرى (2)

وها هو السيد الدكتور سيد عويس يصف لنا أوائل الحالات الاجتماعية التى بحثها أثناء دراسته فى مدرسة الخدمة الاجتماعية، مع ملاحظة أن تاريخ الزيارات فى سَـــنَــــــة 1938م وما تلاها ببضع سنوات، وكان أولها زيارة لملجأ الأبناء غير الشرعيين بشارع «منصور» بالقرب من «باب اللوق»، فيقول: «عندما زرنا ملجأ شارع منصور، ودخلنا نحن طلاب المدرسة باب الملجأ، فماذا وجدنا؟ وجدنا الأطفال واقفين صفين، ولم تزد سن الواحد على سنتين، أو ربما زادت على ذلك قليلا. كان من بيننا الطلاب الذكور، وكانت بيننا الطالبات الإناث. ومشينا بين الصفين. وإذا بكل طفل يتعلق برجلى كل واحد منا صائحا (بابا.. بابا)، وكان الطفل يختار أرجل الطلبة ويترك أرجل الطالبات. فالأطفال فى هذا الملجأ كانوا لا يرون إلا الممرضات والطبيبة والحكيمات اللاتى كن يشرفن على رعايتهم. ولم يكونوا يرون الذكور، فما إن رأوهم حتى تعلقوا بأرجلهم صائحين (بابا.. بابا). بكى قلبى وأنا بين أطفال ملجأ شارع منصور، وعندما ذهبت إلى منزلى بكت عيناى مع قلبى ما شاء لهما أن تبكيا».

«وقابلت حالة أخرى لرجل طيب، تفرغ لجمع الأوراق من شوارع الــــقاهــــرة وحاراتها وأزقتها لكى يحرقها بعد ذلك، لأن المكتوب فيها مكتوب باللغة العربية التى هى لغة القرآن الكريم».

«وسأذكر على الدوام ذلك الرجل العصامى (محمد السيد ياسين)، فقد نظمت المدرسة زيارة إلى مصنعه المعروف (مصنع الزجاج والبللور) فى يوم محدد وساعة محددة، وذهبنا فى الموعد بالضبط، وكانت تصحبنا السيدة (برتا فهمى) عميدة مدرستنا. فإذا الرجل يسمح للطالبات والطلبة بالدخول ويرفض السماح للعميدة. فهى أجنبية. وبرر ما فعل بقوله إنه ساح فى الأرض فى البلاد الأوروبية، حيث يشتهر بعضها بصناعة الزجاج، فرفضت إدارات المصانع السماح له بزيارة مصانعها عندما رغب فى ذلك. وها هى ذى الفرصة قد واتته ليرد الصاع صاعين، وليرغم العميدة الأجنبية أن تنتظر فى مكتبه حتى تنتهى زيارتنا للمصنع. أصر الرجل على ذلك، وصدعت العميدة بما أُمرت. وشاهدنا ما حدث وسمعنا ما دار من مناقشات، وأكبرنا الرجل الذى وإن أكد لنا عصاميته فإنه لم يؤكد لنا مع الأسف معنى واحداً من معانى الوطنية الرشيدة».

«على الرغم من نشأتى فى أحد أحياء الــــقاهــــرة المتخلفة، وأعيش عن كثب حياة بعض المطحونات والمطحونين من بنات المجتمع المصرى فى ذلك الحين وأبنائه. ويا لها من حياة!، كانت حياة لا آدمية ولا إنسانية، فهى حياة الدرك الأسفل. ولن أنسى ما حييت ما حدث لى فى زيارة لمسكن أحد الأحداث الجانحين، وقد مكثت فيه نحو ساعة. وعندما عدت إلى منزلى وجدت حشرات (البق) تجرى فى ملابسى وتمرح، وأحسست بلدغتها فى جسدى وأطرافى، وكنت أدخل فى الصباح إلى أحد هذه المساكن والشمس فى الخارج ساطعة ولا أجد فيه إلا الظلام الدامس، وقد أجد نور مصباح الكيروسين مشتعلا أو لا أجد ذلك. وكنت أبحث عن عنوان المسكن فأجده بعد لَأى ونصب (حوش قرافة) ولا أثاث سوى الحصير. وأنا أذكر الآن نظرات الرجال والسيدات غير البريئة، وعندما كنت أدخل أحد البيوت سعيا وراء أهل الحدث الذى أقوم ببحث حالته، كان الناس فى ضوء ظروفهم الثقافية والاجتماعية والاقتصادية يملأ الشك نفوسهم، لأنهم لم يكونوا يتوقعون فى ذلك الحين خيرا من أحد».

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

المصدر : المصرى اليوم