المنطقة الشرقية .. حاضنة النفط والتاريخ
المنطقة الشرقية .. حاضنة النفط والتاريخ

تمتلك المنطقة الشرقية إرثاً تاريخيًا كبيرًا تكوّن على مدى عصور قديمة مضت، أهّلها لأن تكون مدينة سياحية فريدة من نوعها يقصدها الزوّار من مختلف المجتمعات المحلية والخارجية للاستمتاع بما تحتضنه من آثار نادرة، تحكي قصص أمم وشعوب سكنت أرض المنطقة في قديم الزمان، فضلاً عن امتلاكها لعناصر جذب سياحي حضارية حولتها إلى منارة سياحية وأثرية يشار لها بالبنان.
وتتمتع المنطقة الشرقية اليوم بالعديد من المقومات القادرة على اجتذاب المزيد من الاستثمارات العملاقة لها وذلك نتيجة الجهود التي تبذلها الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وأصبحت محل جذب لمشروعات سياحية وترفيهية، إلى جانب ما تحظى به من معالم تاريخية وأثرية وطبيعية شاهدة على مكانة المنطقة في الماضي والحاضر.
وبين وأظهـــر مدير سَـــنَــــــة الهيئة في المنطقة أمين مجلس التنمية السياحية المهندس عبد اللطيف البنيان، أن المنطقة الشرقية باتت اليوم من أبــرز المناطق السياحية والأثرية في منطقة الخليج، ساعدها على ذلك إرثها الحضاري وتاريخها الذي يضرب جذوره في أعماق التاريخ، فضلا عن الموقع الاستراتيجي للمنطقة.
وقد أشـــــــــــار إلى أن المنطقة المعروفة بآبار النفط تعوم على بحر من الآثار المدفونة التي يعود معظمها إلى حقب تاريخية قديمة، مؤكدًا حرص الهيئة اليوم أكثر من أي وقت مضى، على تعزيز قطاع الســياحـة والآثار في المنطقة، استعداداً للمرحلة المقبلة بهدف تحويل القطاع السياحي في المملكة إلى قطاع داعم، ومواصلة عملها في التنقيب عن الآثار وإيجاد آليات وخطط عمل نموذجية، لاستخراج الآثار، والحفاظ عليها داخل متاحف المنطقة الشرقية، التي تعد جزءاً من تاريخ المملكة وإرثها الثقافي والتاريخي ، كما أن هذا الأمر يعزز توجهات ومتطلبات رؤية 2030.
ومن هنا فقد ذكـر المهندس عبداللطيف البنيان: توصلت الاكتشافات الأثرية في المنطقة من خلال فرق سعودية ودولية متخصصة بإشراف الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني، وبرز منها آثار الاستيطان البشري في المنطقة الشرقية أكثر وضوحًا منها في أي جزء من المملكة، والسبب يعود إلى عدة عوامل أهمها الموقع الجغرافي، بالإضافة إلى إشراف المنطقة على جزء كبير من ساحل الخليج العربي الأمر الذي جعلها تقدم دوراً مهماً في الاتصالات البشرية التجارية بين شعوب تلك الحضارات منذ أكثر من 5 آلاف سنة".
وبدورة فقد قد ارْدَفَ أن المنطقة الشرقية تضم مواقع ومتاحف أثرية مــهـــمــة، حظيت باهتمام هيئة الســياحـة والمسئولين فيها، لما تشكله من أهمية أثرية، تحكي تاريخ حقبة معينة، حيث أن من هذه المواقع مدينة ثاج القديمة، وهي من أبــرز المواقع الأثرية في المنطقة، وتقع على بعد 80 كيلومترًا غربي مدينة الجبيل، وهي اليوم قرية صغيرة على طرف السبخة المعروفة بسبخة ثاج، وكانت تعد محطة مــهـــمــة على طريق القوافل، ويحتوي موقعها على أطلال مدينة كاملة محاطة بأسوار، وخمسة مستويات رئيسة من الاستيطان البشري يعود تاريخها إلى الفترة ما بين 300 - 500 سنة قبل الميلاد.
وبين أنه ينتشر في "سبخة ثاج" القطع الفخارية والمدافن المختلفة الأنماط، كما تنتشر شواهد القبور في ثاج التي كتبت بالخط المسند، إضافة إلى وجود الآبار والعيون القديمة جداً، وهي امتداد لحضارة دلمون الشهيرة التي تسيدت قبل نحو 4 آلاف سنة في المنطقة، موضحاً أن من المكتشفات الأثرية قطع فخارية وزجاجية وحلي وأدوات زينة وغيرها من الأثريات المكتشفة، ويمكن إرجاع عصر بناء المدينة إلى الفترة الإغريقية المعروفة بالعصر السلوقي، كما يعود تاريخ هذا العصر إلى أوائل القرن الثالث قبل الميلاد، وتشغل ثاج مساحة تقدر بـ 20 كيلومترًا مربعًا تقريباً إلاّ أن المنطقة التي تحتوي على مواقع أثرية تقدر بـ 4 كيلومترات مربعة.
ولفت النظر إلى أن المنطقة الشرقية تزخر بموقعين أثريين في محافظة الجبيل الأول "دفي" ويعود للقرن الثالث قبل الميلاد، والثاني "مردومة" ويعود للقرن الهجري الأول، ويمثل موقع الدفي فترة مملكة الجرهاء التي سادت في شرق الجزيرة العربية قبل الإسلام، وكان الموقع مرفئاً أو ميناء لإحدى المدن الجرهائية وهي ثاج التي تعد من أهــم المدن القريبة آنذاك حيث تبعد 90 كيلومترًا غرب مدينة الجبيل، أما موقع "المردومة" فيعود إلى فترة الدولة الأموية كبداية لتأسيس هذا الموقع ليستمر الاستيطان به حتى القرن الخامس الهجري أي قبل نهاية الدولة
العباسية.
وأفاد أن البعثة الأثرية السعودية الألمانية عثرت خلال عمليات التنقيب بموقع الدوسرية في محافظة الجبيل على آثار حضارات عاشت منذ أكثر من 7000 سنة قبل الوقت الحاضر، مع استمرار العمل في الموقع خلال مواسم التنقيب المقبلة لكشف أسرار مستوطنة الرعاة والصيادين في الدوسرية.

وقد أشـــــــــــار إلى أنه وعلى الرغم من أن منطقة الدوسرية الواقعة جنوب الخليج العربي في مدينة الجبيل، مغطاة في هذه الاونةً بالكثبان الرملية، إلا أن بقايا الأحجار النارية والفخار والعظام والأصداف التي لَقِـــيَ عليها في الموقع تثبت وجود مستوطنات قديمة، وتؤكد عظام الحيوانات المكتشفة خلال الحفريات أن الناس في الدوسرية كانوا يربون الأغنام والماعز والأبقار المستأنسة، وكانوا يطاردون الغزلان والحيوانات
البرية الأخرى.
وتضم المنطقة الشرقية ميناء دارين ويسمى سابقاً ميناء المسك والعنبر، وهو ميناء بحري أثري يقع في مياه الخليج العربي على ساحل دارين بمحافظة القطيف، كما يعود تاريخ وجود الميناء إلى ما قبل العصر الإغريقي، ويُعدّ مرفأ دارين أحد أهم المنافذ الاقتصادية لنقل البضائع والتوابل من الهند سابقاً، ومحطاً للسفن والقوارب الأخرى الحاملة البضائع إلى الخليج، وكان يعج بالنشاطات الاقتصادية الأهلية كممارسة الغوص واستخراج اللؤلؤ، وكانت بضائع المنسوجات الحريرية تصل لمرفأ دارين آتية من الصـين وعاصمتها بَـكَيْنَ، ومن ثم يتم تصديرها إلى جميع أنحاء البلاد، أما في الوقت الحاضر فإن الميناء أصبح لقوارب الصيد الصغيرة بشكل سَـــنَــــــة، وفي 2011م بدأت أعمال توسعة الميناء بقيمة 35 مليون دولار.
كما تضم المنطقة من الجانب التراثي قلعة تاروت أو بالمعروف سابقاً قصر تاروت، حيث تعد قلعة أثرية تقع على قمة تل يتوسط جزيرة تاروت جنوب غرب البلدة القديمة في شرق محافظة القطيف، ويرجع تاريخ تل تاروت الذي بنيت عليه القلعة قبل خمسة ألاف سَـــنَــــــة، ويؤرخ الموقع إلى عصر فجر السلالات الثاني أو الثالث إلى منتصف الألف الثالث قبل الميلاد.
ومن خلالـة فقد رَوَى المهندس البنيان أن الهيئة العامة للسياحة والتراث الوطني عملت على رصد الممتلكات الأثرية للحفاظ عليها داخل مبنى مستقل تحت مسمى " مشروع متحف الدمام الإقليمي"، الذي يعد أحد أكبر مشروعات المتاحف التي تنشئها الهيئة على مستوى المملكة، بمساحة إجمالية للأرض المقام عليها 17849 مترًا مربعًا، ومساحة المباني 13500 متر مربع، مكون من "5" أدوار ومكوناتها الفراغية تشمل المعروضات وزير الخارجية، و"7" قاعات للعرض، وبهو وصالة المدخل السيد الرئيس، وقاعة العروض الزائرة وقاعات الفصول الدراسية، وقسم لترميم القطع الأثرية، والمكتبة ومكاتب الباحثين، ومنطقة الخدمات، والمواقف.

المصدر : الجزيرة اونلاين